جرائم الشيكات أمام القضاء العماني


د. طه زهران

محامي بالمحكمة العليا، مكتب سعيد المعشني للمحاماة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول جرائم الشيكات ومشكلاتها العملية لدى المحاكم العمانية بعد صدور قانون الجزاء الجديد في 11 يناير 2018 بالمرسوم السلطاني رقم 7/2018.

وتمهيداً لفهم تلك المسألة الهامة سنعطي القارئ نبذة مبسطة عن جرائم الشيكات في القانون العماني، فقد حرص المشرع العماني على حماية الشيك كورقة مالية والحفاظ على مصداقيتها وقوتها في التعامل والثقة فيها باعتبارها أداة وفاء واجبة الدفع في مواعيد استحقاقها، ولذلك فقد وردت نصوص التجريم في كل من قانون الجزاء الحالي والسابق شاملة لجميع الأفعال التي تمثل انتهاكاً لمصداقية الشيك وقابليته للصرف، سواء عن طريق إعطاء الشيك أو تداوله أو تظهيره للغير أو حتى تسلمه من الغير مع العلم بعدم قابليته للصرف.

وجرائم الشيكات في قانون الجزاء الحالي والسابق توصف بأنّها جنحة معاقب عليها بالسجن الذي لا يجاوز ثلاث سنوات مع الغرامات المالية بحسب الأحوال.

ولما صدر قانون الجزاء الجديد المطبق حالياً أتى بنص جديد لم يكن موجوداً في السابق وهو نص المادة (359) الواردة في الفصل الثالث المتعلق بجرائم الشيكات على أن: "تكون الملاحقة في الجرائم المنصوص عليها في هذا الفصل بناء على شكوى المجني عليه، وتنقضي الدعوى بالسداد قبل رفعها إلى المحكمة أو يوقف تنفيذ الحكم بالتنازل".

وبموجب ذلك النص فقد أصبحت جرائم الشيكات جميعاً ضمن الجرائم المعلقة على شكوى المضرور، ومن ثم فلا يمكن للادعاء العام تحريك الدعوى الجزائية بشأنها إلا بعد تقديم المجني عليه للشكوى والتأكد من تحقق كافة شروطها القانونية.

ولمعرفة الأحكام والضوابط المتعلقة بالشكوى يجب الرجوع إلى نصوص قانون الإجراءات الجزائية في المواد من (5) إلى (10) التي وضعت قيوداً أستثنائية تمنع الادعاء العام من سلطة تحريك الدعوى العمومية في تلك الجرائم وتقديم مرتكبيها للمحاكمة الجزائية إلا بعد ثبوت الشكوى من قبل المضرور المجني عليه في تلك الجرائم.

وجاء نص المادة (5/1) من هذا القانون مقرراً: "لا ترفع الدعوى العمومية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص في الجرائم التي يشترط فيها القانون ذلك، ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك".

ولا يجوز البدء في إجراءات التحقيق في تلك الجرائم إلا بعد تقديم الشكوى للشرطة أو الادعاء العام (مادة 6).

وإذا تعدد المجني عليهم يكفي أن تقدم الشكوى من أحدهم، وإذا كان المجني عليه لم يتم 15 سنة أو كان مصاباً بعاهة في عقله، تقدم الشكوى ممن له الولاية عليه مثل الولي أو الوصي أو القيم بحسب الأحوال. وإذا تعارضت مصلحة المجني عليه مع مصلحة من يمثله أو لم يكن له من يمثله يقوم الادعاء العام مقامه (مادة 7).

وينقضي هذا الحق في الشكوى بموت المجني عليه، وإذا حدثت الوفاة بعد تقديم الشكوى فلا تؤثر على سير الدعوى (مادة 9).

ولمن قدم الشكوى حق التنازل عن شكواه في أي وقت قبل أن يفصل في الدعوى نهائياً. وفي حالة تعدد المجني عليهم لا ينتج التنازل أثراً إلا إذا صدر من جميع من قدموا الشكوى، وإذا توفي الشاكي، انتقل الحق في التنازل عن الشكوى إلى ورثته مجتمعين (مادة 10).

ومن هنا تبدو خطورة وأهمية الوقوف على النتائج والآثار القانونية التي تترتب على هذا النص الهام ويمكننا تلخيصها في الآتي:

النتيجة الأولى: لم يعد من الممكن تحريك قضايا الشيكات جزائياً إلا بعد تقديم الشكوى من المضرور.

النتيجة الثانية: يجب تقديم تلك الشكوى خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الشيك وإلا سقط الحق فيها ولم يعد أمام المجني عليه إلا اللجوء للمحكمة بدعوى مطالبة تجارية.

النتيجة الثالثة: لا تكون الشكوى مقبولة إلا من المجني عليه شخصياً أو من وكيله بموجب توكيل خاص منصوص فيه صراحة على حق تقديم الشكوى.

النتيجة الرابعة: لم تعد جرائم الشيكات من جرائم الحق العام وأصبح من الجائز التنازل عنها وإنهاء كافة آثارها القانونية بإرادة المجني عليه بمجرد تنازله فقط.

النتيجة الخامسة: أنّ القانون الحالي يعتبر قانونا أصلح للمتهم، ومعنى ذلك أنّه يمكن أن يستفيد منه كل متهم لا يزال قيد المحاكمة الجزائية حتى ولو كانت الجريمة سابقة على تاريخ صدور قانون الجزاء الحالي، وذلك بأن يتمسك بعدم قبول الدعوى العمومية لتحريكها من الادعاء العام مباشرة دون وجود شكوى من المجني عليه أو لعدم تحقق ضوابط وشروط تلك الشكوى سواء في مواعيد تقديمها أو صفة من قدمها أو سند وكالته ومدى وجود نص خاص فيه يتيح الحق في الشكوى.

tahazhran@gmail.com